الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من قوله : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً الآية ، ونظيره قوله تعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] ثم قوله : عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [ النبأ : 2 ] الآية . وعطف وَنُذُرِ على عَذابِي بتقدير مضاف دل عليه المقام ، والتقدير : وعاقبة نذري ، أي انذاراتي لهم ، أي كيف كان تحقيق الوعيد الذي أنذرهم . ونذر : جمع نذير بالمعنى المصدري كما تقدم في أوائل السورة وقد علمت بما ذكرنا أن جملة « فكيف كان عذابي ونذري » هذه ليست تكريرا لنظيرها السابق في خبر قوم نوح ، ولا اللاحق في آخر قصة عاد للاختلاف الذي علمته بين مفادها ومفاد مماثلتها وإن اتحدت ألفاظهما . والبليغ يتفطن للتغاير بينهما فيصرفه عن توهم أن تكون هذه تكريرا فإنه لما لم يسبق وصف عذاب عاد لم يستقم أن يكون قوله : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي تعجيبا من حالة عذابهم . وقوله : وَنُذُرِ موعظة من تحقق وعيد اللّه إياهم ، وقد أشار الفخر إلى هذا وقفينا عليه ببسط وتوجيه . وأصل السؤال عن تكرير هذه الجملة أثناء قصة عاد هنا أورده في كتاب « درة التنزيل وغرة التأويل » المنسوب إلى الفخر وإلى الراغب إلا أن كلام الفخر في « التفسير » أجدر بالتعويل مما في « درة التنزيل » . وجملة إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً إلخ بيان للإجمال الذي في قوله : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ . وهو في صورة جواب للاستفهام الصوري . وكلتا الجملتين يفيد تعريضا بتهديد المشركين بعذاب على تكذيبهم . وجملة البيان إنما اتصف حال العذاب دون حال الإنذار ، أو حال رسولهم وهو اكتفاء لأن التكذيب يتضمن مجيء نذير إليهم وفي مفعول كَذَّبَتْ المحذوف إشعار برسولهم الذي كذبوه وبعث الرسول وتكذيبهم إياه بتضمن الإنذار لأنهم لما كذبوه حق عليه إنذارهم . وتعدية إرسال الريح إلى ضميرهم هي كإسناد التكذيب إليهم بناء على الغالب وقد أنجى اللّه هودا والذين معه كما علمت آنفا أو هو عائد إلى المكذبين بقرينة قوله : كَذَّبَتْ عادٌ . والصرصر : الشديدة القوية يكون لها صوت ، وتقدم في سورة فصّلت .